بقلم الأستاذ محمد خوجة
✦ حُلمَستان.. جزيرة النسيان ✦
الفصل الرابع – طفل الشوارع
الجزء الثالث: الرغيف الدافئ
بقلم: محمد خوجة
مقدمة
بعد ليالٍ قاسية قضاها أيوب في مواجهة قسوة الشوارع ووحشة الأرصفة، وبعد أن تعرّف على العربي الذي مدّ له يد العون وفتح أمامه باب الأمل، وجد نفسه يخطو بخطى مترددة داخل عالم حلمستان.
هناك، حيث تذوب الندوب في دفء الطبيعة وصمتها، بدأ يكتشف أن للجروح لغة أخرى غير البكاء، وأن الأرواح الكسيرة قد تجد في التفاصيل الصغيرة ما يعيدها إلى الحياة.
---
مرّت الأيام الأولى لأيّوب في حلمستان ببطء هادئ، وكأن الزمن هناك يتواطأ معه ليرمم ما تكسر من نبضه.
لم يكن أحد يفتّش في ماضيه، ولا أحد يعلّقه بألقاب الشوارع التي التصقت به يومًا كوصمة.
فقط أعمال بسيطة، وجوه دافئة، وجدول ماء يغسل الحطب، وحديقة صغيرة تتفتح في قلبه كلما لمس التراب بيديه.
وذات صباح، اجتذبه عبق الخبز الساخن.
كان الهواء مشبعًا برائحة العجين والرماد المبتل، يقوده نحو بيت صغير يطل على التلال الخضراء.
وعند عتبة المخبز رآها: السيدة سُميّة.
امرأة في منتصف الأربعينات، وجهها ناعم رغم التجاعيد، وعيناها تسكبان طمأنينة أوسع من المدى.
ابتسامتها لم تكن زينة عابرة، بل وعدًا خفيًا ببيتٍ يرحّب بالغريب دون سؤال.
تردّد أيوب لحظةً، كأن الخبز ليس له.
ذكرته ذاكرته بجوع الليالي الماضية، وبالأيادي التي اعتادت صفعه كلما مدّ يده لطلب كسرة.
لكن صوتها فاجأه، رقيقًا، وفيه نبرة لا تخلو من حزم:
– "الجوع ليس دائمًا إلى الخبز… أحيانًا نحتاج لقطعة دفء."
تجمّد الطفل في مكانه، لا يعرف هل يهرب أم يبقى.
غير أن دفء الكلمات شدّه أكثر من رائحة الخبز.
كانت زوجة القاضي منصف، لكنها لم تتصرّف كأنها أعلى مقامًا، بل كأم ثانية لا تُظهر الشفقة، بل تزرع الطمأنينة.
جلس قربها يراقب. كيف تعجن العجين كأنها تنسج صبرًا، كيف تراقب النار بعينين خاشعتين، وكيف تدسّ دعاءً خفيًا في كل رغيف.
ومع مرور الأيام، بدأ يمدّ يده إلى الطحين، يبلّل أصابعه بالماء، ويشاركها العجن.
كان يتعلم أن الرغيف لا يرمم فقط جوع البطن، بل جوع الروح أيضًا.
في كل خطوة داخل المخبز، كان أيوب يُعيد بناء جزءٍ مفقود من ذاته.
وفي صمت الخبّازة، كان يسمع لأول مرة صوت الطمأنينة.
حين حمل أيوب الرغيف الساخن بين يديه، شعر أن قلبه لم يعد مثقوبًا بالوحدة، وأن ما فقده في الشوارع يمكن استعادته بقطع صغيرة من الحنان والعطاء. ابتسم لنفسه بخفّة، وكأن كل رغيف يعيده خطوة خطوة إلى ذاته المفقودة.
أدرك أن حلمستان ليس مجرد مكان، بل لغة تتحدث بها الوجوه الطيبة ولمسات اليدين الدافئة، لغة تقول: "يمكن للروح أن تُشفى… إذا قبلت أن تُعانَق."
وبينما يعود إلى المخبز، تدفقت أشعة الشمس على وجهه، وشعر قدماه بالثبات لأول مرة منذ زمن طويل، وكأن الأرض نفسها تهمس له: "أنت هنا… وأنت بأمان."
تعليقات
إرسال تعليق